الانتخابات انتهت، ولكن نتائجها لم تبدأ بعد طباعة ارسال لصديق
العدد 33 -حزيران - يونيو 2009 - الملف: ما بعد يوم الانتخابات العالمي
نجاح واكيم   

أما وقد انتهت الانتخابات النيابية - هكذا اتفقوا على تسميتها - وهدأ وطيس السجالات التي أججت في نفوس اللبنانيين كل الغرائز، ربما يكون مناسباً اليوم التحدث بلغة العقل والمنطق عن هذه الانتخابات، وعن موقعها في الصراع الإقليمي وانعكاساته على الساحة المحلية لجهة إعادة تركيب السلطة بما يتلاءم والنفوذ الخارجي المتعدد الأطراف. كما ولجهة الاصطفافات السياسية - الطائفية وتأثيرها على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.

Image
لا شك في أن المرحلة الراهنة تشبه إلى مدى بعيد تلك التي تلت مؤتمر الطائف، حيث جرى التمديد لمجلس النواب آنذاك، ومن ثم «تطعيمه» عن طريق التعيين بما عكس المعادلة الخارجية التي كانت مفروضة على لبنان. وكان ذلك تمهيداً لانتخابات جرت في العام 1992، ثم في العامين 1996 و 2000، وجاءت نتائجها التي كانت مقررة سلفاً صورة أمينة لتلك المعادلة ولتقاسم النفوذ بين أطرافها. وهذا بالضبط ما تم تنفيذه عن طريق العملية الانتخابية الأخيرة حيث جرى التمديد للمجلس السابق و»تطعيمه» بالتعيين «الديمقراطي» ليكون متلائماً والمعادلة الخارجية المجددة التي تحكم لبنان.

 

لنتذكر أن عملية تركيب السلطة آنذاك وإعادة بناء المؤسسات الدستورية تزامنا - وليس صدفة - مع الإعداد لمؤتمر «مدريد» للسلام، الذي انعقد في أواخر العام 1991. وقد تم رهن لبنان بمؤسساته واقتصاده وأمنه ومصيره لموجبات ذلك السلام الذي لم يتحقق. وذلك بواسطة طبقة سياسية استمدت قوتها ونفوذها من أطراف المعادلة آنفة الذكر، وكانت في أدائها «المتميز» على الصعد كافة أمينة بالكامل لمرجعياتها الخارجية. وكانت تتقاضى بدلات أتعابها من الداخل عن طريق الفساد المتعدد الأشكال الذي شمل كل المجالات.
لقد انتهت عملية «السلام» إلى فشل ذريع على الجبهتين السورية والفلسطينية في نهاية عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، لتبدأ سياسة أميركية جديدة في الشرق الأوسط مع المحافظين الجدد ورئيسهم جورج بوش. وكانت لهذا التحول تداعيات متلاحقة على الساحة اللبنانية، خصوصاً على صعيد الطبقة السياسية الممسكة بالسلطة التي تحولت عن الوفاق إلى الشقاق، ما أدى بلبنان إلى حافة الحرب الأهلية منذ أواخر العام 2004 وحتى اليوم.
ربما يفيد هذا في إلقاء الضوء على الانتخابات النيابية التي جرت مؤخراً، والتي رتبت وحددت نتائجها بشكل دقيق وصارم بما يتلاءم ومرحلة جديدة من السلام الأميركي في الشرق الأوسط تعد لها الإدارة الأميركية الجديدة التي تعد بعقد مؤتمر دولي للسلام تحت اسم (مدريد 2).
لنلاحظ بداية أن مرحلة «السلام» الجديدة انطلقت رسمياً بعد خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة في ختام زيارته إلى المنطقة التي شملت دولتين عربيتين مهتمتين جداً بهذا «السلام»، هما المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية.
ولنلاحظ أيضاً أن الولايات المتحدة عادت واكتشفت «دوراً حيوياً لسوريا في عملية السلام»، بعد أن كانت هذه طوال المرحلة الماضية قطباً رئيسياً في «محور الشر».

Image
ولنلاحظ أخيراً أن الانتخابات النيابية في لبنان حظيت باهتمام أميركي استثنائي، فتقاطرت إليه الوفود، علناً وسراً، من جوزيف بايدن نائب الرئيس وهيلاري كلينيتون وزيرة الخارجية وجفري فيلتمان السفير السابق والخبير في الشؤون اللبنانية، إلى فريق خفي من الخبراء في شؤون الانتخابات أدار بكفاءة عالية العملية برمتها، ووظف أدوار قوى فاعلة، خارجية وداخلية، لتحقيق النتائج المقررة سلفاً.
أما عن أهمية وخطورة موقع لبنان في عملية «السلام» الأميركية في الشرق الأوسط فيكفي أن نشير إلى الآتي:
في هذا البلد الصغير تتقاطع كل القوى الإقليمية النافذة المنخرطة في صراعات الشرق الأوسط، الرياض والقاهرة وطهران ودمشق وتل أبيب...
وفي هذا البلد الصغير تتعايش التناقضات الفلسطينية، السلطة اللاهثة وراء السلام والمنظمات «الجهادية» التي ترفض «السلام» أو يرفضها السلام.
وأيضاً في هذا البلد الصغير تتعايش في مناخ مضطرب من الشك وانعدام الثقة، المقاومة بوزنها السياسي والشعبي والطائفي، التي ترفض السلام مع إسرائيل، ويرفضها «السلام» مع إسرائيل. والقوى المراهنة على هذا السلام والمرتهنة له، بوزنها السياسي والشعبي والطائفي، التي ترفض المقاومة.
باختصار. إن لبنان، الساحة المستباحة لكل التدخلات الخارجية، الذي تتمزقه في الداخل عصبيات طائفية ومذهبية بالغة الحدة، يوضع من جديد على طاولة السلام الأميركي المستحيل للشرق الأوسط. وهو لم يستخلص الدروس والعبر من تجربتي العامين 1982 و 2005، وها هو مرة أخرى - بهذه الانتخابات - يقف في بداية الطريق عينها التي قادته غير مرة إلى الهاوية.
أي سلام؟...
في قراءة أولية سريعة لمبادرة أوباما بعد زيارته للسعودية ومصر، وخطاب نتانياهو، وللانتخابات الرئاسية في إيران ونتائجها وردات الفعل الغربية عليها، ثم لنتائج الانتخابات النيابية في لبنان نستخلص الآتي:
1 - إن الولايات المتحدة تسعى لإقامة حلف بين إسرائيل و»المعتدلين العرب» وأبرزهم اثنان، المملكة العربية السعودية ومصر.
2 - إن السلام بين العرب وإسرائيل هو الشرط الأساسي لإقامة هذا الحلف. وهذا يفترض بالضرورة احتواء سوريا التي اكتشفت لها الإدارة الأميركية فجأة «دوراً حيوياً في عملية السلام». وحل المسألة الفلسطينية بكل تعقيداتها المستعصية ومن بينها التوطين...لنترقب الانتخابات الفلسطينية، فهل تأتي نتائجها مماثلة لنتائج الانتخابات اللبنانية؟ أما خطاب نتانياهو الذي أحبط «المعتدلين» العرب فقد وجدت فيه الإدارة الأميركية – وكذلك الاتحاد الأوروبي – خطوة إيجابية إلى الأمام، هذا هو المهم وليس الإحباط الكاذب «للمعتدلين العرب»، الذين يعرفون جيداً طبيعة هذا «السلام» وموجباته.
3 - أما الانتخابات النيابية عندنا فقد كان التدخل الأميركي فيها بالضغط، والسعودي بالمال، وحتى الإسرائيلي بالتهديد، واضحاً ومكشوفاً ومباشراً...كان العنوان الأبرز لحملة فريق 14 آذار الانتخابية «سلاح المقاومة». وسوف يكون هذا الموضوع الشغل الشاغل للفريق الحاكم في المرحلة المقبلة من أجل محاصرة هذا السلاح وتطويعه باسم «الشرعية»، وإلا...فبالفتنة؟ لنقرأ بالسياسة لا بالأرقام انتخابات صيدا ونتائجها.
4 - وفي المقلب الآخر من هذه الصورة تبرز إيران، التي اختارت، وبأغلبية كاسحة، خط المواجهة مع الغرب، وبالتحديد مع الولايات المتحدة الأميركية التي تشاطر إسرائيل رؤيتها إلى أولوية الخطر الإيراني، ويشاطرها «المعتدلون» العرب أيضاً هذه النظرة.
لذلك نقول للذين ابتهجوا بنتائج الانتخابات، مهلاً فالانتخابات انتهت، لكن نتائجها لم تبدأ بعد.
لن أتوقف عند قانون الانتخاب، كيف «ركّب» وفرض، ولا عند المال السياسي الذي أُغدق بسفاهة وفجور لم يعرف التاريخ لهما مثيلاً. ولا عند عمليات التلاعب التي نفذت بتقنيات عالية لا يقدر عليها أي فريق محلي. غير أنني أتوقف عند مسألتين كان لهما الدور الأكبر في النتائج الخطيرة التي أسفرت عنها هذه الانتخابات وهما:
1 - باستثناء الدوائر «المسيحية» الصافية، التي توزع المقترعون فيها على الزعامات المحلية، وذلك لاعتبارات لا مجال للغوص فيها هنا، نلاحظ أن اللبنانيين - هكذا يسمونهم - صوتوا بنسبة تقارب الـ90 في المئة أو يزيد للطائفة، من دون أن تؤثر الاعتبارات الأخرى، الوطنية والاجتماعية والفكرية والسياسية، على عملية التصويت. وهي الظاهرة «الديمقراطية» الفريدة في التاريخ، التي لا تدانيها في بشاعتها وجاهليتها أسوأ الدكتاتوريات.
في هذه الظاهرة الفريدة تطابقت في الطائفة الواحدة خيارات العامل ورب العمل، المجرم والشرطي والقاضي، النزيه والفاسد، التقي والزنديق، اليساري واليميني. وتطابقت في المقابل خيارات هؤلاء في الطائفة الأخرى. وهكذا نجد كيف غابت أو غُيبت كل الاعتبارات التي تشكل الرأي العام، بما فيها المسألة الوطنية، وحضرت فقط أو استحضرت الطائفة. أهذه هي الوحدة الوطنية التي تشكل الضمانة الأولى للسلم الأهلي، وماذا يكون مصيرها ومصير السلم الأهلي عندما تهب علينا في القريب رياح الصراعات الإقليمية المغلفة بشعارات «السلام»؟
2 - غير أن العامل الأبرز الذي أدى إلى خسارة المعارضة للانتخابات كان فشلها في السنوات الأربع الماضية، وخصوصاً بعد عدوان تموز 2006، في تشكيل جبهة وطنية تضع برنامجاً للتغيير، أساسه إلغاء الطائفية، وتعمل من أجل تنفيذه.
كان من شأن الجبهة الوطنية، لو أُنشئت، تغيير شكل الصراع السياسي بنزع الغطاء الطائفي والمذهبي عن هذا الصراع، والذي كان يمنع المعارضة من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام الخوف من التسبب بإشعال حرب أهلية.
وكان من شأن البرنامج الوطني للتغيير استقطاب كتل شعبية وازنة، خصوصاً في أوساط الشباب، وتحريرها من خنادق الطائفية وزجها في العمل من أجل بناء الوطن والدولة والمجتمع على أسس جديدة، ثابتة وسليمة.
إن المسؤولية عن هذا الفشل لا تقع على عاتق هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة، ولكن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وبالدرجة الأولى على عاتق القوى المتجاوزة للطائفية في بنيتها وفي فكرها.
في ضوء ما أسفرت عنه الانتخابات الأخيرة يجب استخلاص الدروس والعبر. وفي مواجهة الأخطار التي تنتظرنا في المستقبل القريب والبعيد، فإن ما كان مطلوباً بالأمس صار ضرورة ماسة اليوم... جبهة وطنية.
 

 
< السابق   التالى >

الصوت الحر

زوارنا الاعزاء، ندعوكم للمشاركة في منتدى الصوت الحر - صوتك ، لمناقشة مواضيع المجلة ومواضيع اخرى في السياسة، الاقتصاد، المجتمع والفن.
www.Sawtak.com