|
أزمة الغذاء العالمية: بليون جائع.. وبليونان على الطريق  في حمأة ارتفاع أسعار المواد الغذائية كالأرُز والقمح والذرة والزيوت النباتية، شهدت فواتير استيراد الغذاء في الدول الأقل نمواً في العالم ارتفاعاً هي الأخرى بواقع 37 في المئة بين عامي 2007 و 2008 (من 17.9 مليون دولار إلى 24.6 مليون دولار)، وذلك في أعقاب ارتفاع بنسبة 30 في المئة في العام 2006. وبحلول نهاية العام 2008، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً قالت فيه: «ازداد حجم سلة استيراد الغذاء السنوية في الدول الأقل نمواً بواقع ثلاثة أضعاف منذ العام 2000. والحال أن ذلك حدث ليس بسبب تزايد حجم استيراد الغذاء، بل نتيجة ارتفاع أسعاره». هذه التطورات الصاخبة لم تمّر مرور الكرام؛ فهي دفعت بـ75 مليون إنسان إلى أشداق المجاعة، وجعلت ما يُقدَّر بـ125 مليون إنسان في الدول النامية يقفون على شفير هاوية الفقر المدقع. هؤلاء يُضافون إلى نحو بليون إنسان (أي حوالي 14 في المئة من مجموع سكان العالم)، بحسب تقديرات محافِظة، يرزحون تحت وطأة المجاعة المتفشية، وإلى نحو بليوني إنسان آخرين يُقدَّر أنهم في حالة عدم أمان غذائي متواصل. وتزامناً مع ذلك، اجتاحت تحرّكات شعبية مناهضة لارتفاع الأسعار هذا نحو ثلاثين بلداً حول العالم، وكان من بين تلك البلدان: بنغلادش، بوركينا فاسو، الكاميرون، ساحل العاج، مصر، غينيا، الهند، أندونيسيا، موريتانيا، المكسيك، المغرب، موزمبيق، السنغال، الصومال، أوزبكستان واليمن. من نافل القول إن المجاعة وأزمات الغذاء هما من أمراض العالم المعاصر المستوطِنة. بيد أن انفجار قنبلة الارتفاع السريع في أسعار الغذاء فتح نافذة جديدة للإطلالة على هذا الواقع المرير. إذ توفّر الأزمة الحالية صورة مكبّرة عن أزمة طويلة الأمد في مايتعلّق بالإنتاج الاجتماعي. ففي الواقع، إنها أزمة تضرب جذورها عميقاً في ماضي الاستعمار، ولم يقم النمو الرأسمالي النيوليبرالي سوى بتأجيجها ومفاقمة تداعياتها. ما أسباب أزمة الغذاء التي ضربت العالم بدءاً من العام 2007، وما تداعياتها؟ وهل من سبيل إلى الخروج من دوامتها؟ أسئلة طرحتها مؤخراً دورية مانثلي ريفيو الأميركية، وحاولت الإجابة عنها بالوقائع والأرقام.
نظرة بانورامية ترتبط مجموعة العوامل المسبّبة لأزمة الغذاء الحالية ارتباطاً وثيقاً بتزايد الطلب على الطاقة والغذاء - ثمة بليون مستهلك جديد في عشرين بلداً متوسّط الدخل - في عصر يشهد بلوغ إنتاج النفط ذروته التي تسبق دخوله في المسار الانحداري. ومن وجهة نظر مؤسسية، تمأسس النمو النيوليبرالي عملياً في العام 1995، مع إنشاء منظمة التجارة العالمية التي تعتمد على نظام التحرير والخصخصة لتسهيل اندماج قطاع الصناعات الزراعية وأسواق الغذاء. وقد أعقب الانخفاض الأولي في أسعار الغذاء (الذي قضى على صغار المنتجين)، ارتفاع في الأسعار نتيجة لتزايد الطلب والاستهلاك، في ظل تعاظم السيطرة الاحتكارية العالمية على إمدادات الغذاء حول العالم. حالة الدمج تلك التي تبلورت من خلال النظام الغذائي النيوليبرالي، أسست في الواقع لأزمة الغذاء العالمية. فقد اجتمعت سياسات التحرير والخصخصة لتسريع نقل وتوزيع الغذاء عالمياً، ولإعادة هيكلة إنتاج الغذاء بحسب أهواء ومصالح الشركات العملاقة. والبنية الاحتكارية هذه تعني أن المنتجين يحصلون على أسعار منخفضة لقاء بيع منتجاتهم، وأن المعالجين وتجار التجزئة والشركات العملاقة يتواجدون في وضعية مريحة تسمح لهم بالتحكم السهل في مسألة رفع الأسعار. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يعود الارتفاع في أسعار الغذاء إلى النموذج الصناعي - الزراعي واعتماده المفرط على الوقود الأحفوري. إذ وفق تقرير حديث لـ«شاتام هاوس»، يتطلب إنتاج طن واحد من الذرة في الولايات المتحدة 160 ليتراً من النفط، بالمقارنة مع 4.8 ليتراً فقط في المكسيك، حيث يعتمد المزارعون على الطرق الأكثر تقليدية في الإنتاج. وبسبب تحوّل الولايات المتحدة نحو إنتاج الإيثانول اعتماداً على الذرة، تتحمل هذه الأخيرة مسؤولية واضحة عن انفجار أسعار المنتجات الزراعية عالمياً، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إنتاج الإيثانول ساهم بنسبة 80 في المئة في ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً. (في المقابل، تنتج البرازيل - ثاني أكبر مصدّر للذرة عالمياً - الإيثانول من قصب السكر، وبالتالي هي لا تتأثر بتقلبات أسعار أسواق الذرة العالمية(. ثم، إضافة إلى البرنامج الأميركي لإنتاج الإيثانول من الذرة، يساهم برنامج الولايات المتحدة للديزل الحيوي وفول الصويا بدوره في الارتفاع الشاهق في الأسعار. علاوة على ذلك، يُظهر التقرير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في العام 2007 (الحائز على جائزة نوبل)، أن آثار النشاط الإنساني على تغيّر مناخ الأرض جلية للغاية. ويؤكد التقرير أن التداعيات الإيكولوجية والبشرية لهذه التغييرات يمكن تلمّسها من نواح عدة. أما أكثر التداعيات المقلقة، فهي تلك التي تطال الزراعة العالمية على المديين القصير والمتوسط. وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى انخفاض عالمي في إنتاج المحاصيل الزراعية، إذا ما ارتفعت حرارة الكوكب أكثر من 2.7 درجة مئوية (وهو ارتفاع يقع ضمن مجال تقديرات العديد من الخبراء)، في حين أن المحاصيل الزراعية التي تعتمد في الري على الأمطار يمكن أن تنخفض إلى النصف بحلول العام 2020. ثم إنه مع ارتفاع مستويات البحار نتيجة لذوبان الصفائح الجليدية في أيسلندا والقطب الجنوبي، ستتعرّض مساكن ملايين الناس للخطر وستغمر المياه مناطق زراعتهم الساحلية. كذلك، ستتلوّث المياه الساحلية والطبقات الصخرية للمياه الصالحة للشرب والري نتيجة تداخلها مع المياه المالحة. على صعيد آخر، وبسبب القيود التي تواجه عمليات الإمداد والتي تعود في شكل رئيس إلى النقص في حجم الاستثمارات، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تقريراً قالت فيه إنه حتى قبل الارتفاع الذي شهدته أسعار الغذاء مؤخراً، كان ثمة إشارات واضحة ومقلقة طويلة الأمد إلى ارتفاع مستويات المجاعة عالمياً. فقد ارتفع عدد الذين يعانون من مجاعة مزمنة إلى 848 مليون إنسان بين العامين 2003 و 2005، بزيادة قدرها ستة ملايين نسمة عن الفترة الممتدة بين عامي 1990 و 1992.
التعمّق في الأسباب
دشّنت الحقبة الاستعمارية «علاقة انتزاع» بين أوروبا وباقي أنحاء العالم، حيث قامت الإمبراطورية باستبدال أنظمة التموين، محوّلة المستعمرات في مختلف بقاع الأرض إلى مناطق إمداد لكل من الغذاء والمواد الأولية، تقتصر مهمّتها على تمويل الرأسمالية الأوروبية ودعمها. وفي التاريخ الحديث، عمّق انتهاج سياسات التحرير معضلة تحويل بلدان الجنوب إلى «مزرعة العالم»، وذلك لصالح أقلية من المستهلكين العالميين الذين يتمركزون في بلدان الشمال وفي دول استراتيجية ومحميات مُدنية في بلدان الجنوب. ومن منظار أدق، تعود أسباب حالة التأزم التي تسببت بها السياسات النيوليبرالية إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي شهدت إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي. فقد أدى مسار إزالة الاستعمار إلى قيام الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ببلورة برامج مساعدة لتأمين سيطرتهما وتعزيز قدراتهما الصناعية والعسكرية. وشهدت تلك الفترة أيضاً بروز «برنامج تنمية منتصف القرن العشرين»، الذي طُوِّر في واشنطن ولندن وباريس وبالتحديد في مؤتمر «بريتون وودز» في العام 1944، الذي تمخّض عنه إنشاء البنك الدولي وشقيقه صندوق النقد الدولي. وقامت دول ما بعد الاستعمار التي تدور في فلك التجارة والمساعدات التقنية والعسكرية الغربية بتبنّي نموذج التنمية ذلك، إذ تُجِّرت السلع العامة (الأرض، الغابات، المياه، المصادر الجينية، والمعرفة المحلية)، ووُسِّع نطاق أنظمة المحاصيل الزراعية بغية الحصول على التكنولوجيا المستوردة وعلى السلع الكمالية. والحال كذلك، أعاد تضاعف أسعار الغذاء بين عامي 2007 و 2008، إلى الذاكرة مروحة من النزعات طويلة الأمد، وأضاف إليها مجموعة من النزعات الحديثة: بالنسبة إلى النزعات طويلة الأمد، فهي تتضمّن التحويل المطّرد لبذور الذرة وفول الصويا نحو إنتاج اللحوم، إذ تضاعف نصيب الفرد في استهلاك اللحوم خلال الـ40 عاماً الماضية؛ انخفاض إنتاج الغذاء، حيث تبنّت الدول الفقيرة الأنموذج النيوليبرالي مفسحة في المجال أمام «السوق الحرة» لتتحكّم بإنتاج الغذاء وتوزيعه (عملية إعادة التوجيه الاقتصادية التي تُعرف بـ«التعديل البنيوي»، وهو برنامج فرضه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على أكثر من 90 اقتصاداً نامياً وانتقالياً على مدى عشرين عاماً كانت قد بدأت في أوائل الثمانينيات)؛ وتزايد سطوة الشركات على جميع تفاصيل ومراحل إنتاج الغذاء، من البذور إلى المبيدات والأسمدة إلى الأسواق. أما النزعة الجديدة الأبرز، فتتمثّل في تحويل كميات كبيرة من الذرة والفول وزيت النخيل لإنتاج الوقود الحيوي. لقد بدا إنتاج هذا الوقود مغرياً، حيث سعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الحد من تأثير البلدان المنتجة للنفط والترويج لوقود أكثر «نظافة» وهو ليس كذلك بالفعل. إضافة إلى ذلك، ثمة عوامل لا تقلّ خطورة، وهي: الضرر الذي أصاب المواطن الإيكولوجية بسبب الممارسات الزراعية التي تعتمد بإفراط على المواد الكيميائية والوقود الأحفوري؛ وتحوّل المزارعين إلى مجرّد عمّال في ظل العقود التي تحصل عليها شركات إنتاج اللحوم العملاقة؛ والتدابير التي فرضتها منظمة التجارة العالمية على العالم الثالث؛ وهجرة الفلاحين من الأرياف إلى المدن حيث تندر فرص العمل؛ ودور البذور المعدَّلة جينياً في تعزيز قبضة الشركات على عملية الإنتاج. ماذا عن العامل الأخير؟ خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، روّجت الشركات على نطاق واسع لفكرة أن هندسة المحاصيل والبذور جينياً هي الحل الأنجع لتحسين الزراعة عالمياً. لكن، مع ذلك، لم تنتج التعديلات بواسطة استخدام جينات من أجناس أخرى، تزايداً يمكن التعويل عليه في المحاصيل يفوق إنتاج تلك غير المعدَّلة جينياً. والحال أنه منذ أول عملية إنتاج للمحاصيل المعدَّلة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وحّدت معارَضة هذه التكنولوجيا كلاً من صغار المزارعين وناشطي البيئة والمدافعين عن الصحة العامة، من الهند، إلى أفريقيا الجنوبية، إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة. في هذا الصدد، ثمة حالياً 300 مليون أكرٍ من الأراضي المزروعة بالمحاصيل المعدَّلة (تتركّز بشدة في شمال أميركا وجنوبها، وتتزايد مساحاتها في الصين والهند)، إلا أن هذا الرقم لا يمثّل سوى 2.6 في المئة من نسبة الأراضي المزروعة. كما تشير التقارير إلى أن هذه التكنولوجيا تساهم في تدمير عملية الأيض الخلوي، ناهيك عن بعض التحليلات التي تتطرّق إلى أثرها على كل من البيئة والصحة. على صعيد آخر، عملت إدارة جورج بوش - تحت مسمّى «استقلالية» الطاقة ومكافحة تغيّر المناخ - على جعل تحويل الذرة إلى مادة أولية لإنتاج الوقود الحيوي، تجارة مربحة للغاية. ونتيجة لذلك، لم يعد استيراد البذور كافياً، إذ إن الأرض المنتجة لها تتطلّب إبرام العقود، بعد أن تحوّلت هذه (أي الأرض( إلى سلعة مرغوبة على حساب احتياجات السكان المحليين الذين يعتمدون عليها لإنتاج غذائهم الخاص واستهلاكه. وفي المحصّلة، يمكن القول إن ثمة مزيجاً من المكوّنات البنيوية والسياسية التي أدت إلى ارتفاع أسعار الغذاء بين عامي 2006 و 2008. لذا، ووفق مؤيدي الزراعة التي تعتمد على صغار المزارعين، لا تعود أسباب الأزمة إلى فشل «زراعة الفلاحين»، بل إلى فشل «زراعة الشركات». ويقول هؤلاء إنه على الرغم من ادعاءات المروّجين لـ«زراعة الشركات» على أنها الخيار الأفضل لإطعام سكان العالم، إلا أن خلق السلاسل الإنتاجية العالمية الضخمة التي تبحث عن مكاسب الاحتكارات ترافق مع جوع أكثر وغذاء أسوأ جودة وعدم استقرار بيئي لم يشهد العالم لها مثيلاً.
مسؤولية السوق و«إجماع واشنطن»
تُعدّ بنية السوق وسياساتها مسؤولتين عن الوضع الراهن. وقد شكّلت الأزمة فرصة للشركات والمؤسسات المالية متعددة الأطراف لتشديد قبضتها على النظام الغذائي العالمي. وفي الوقت نفسه، لجأت الحكومات إلى تحرير استيراد الغذاء ومراقبة الأسعار و/أو السيطرة على الغذاء المصنَّع محلياً، وذلك لإطفاء جذوة الاضطرابات الاجتماعية التي أعقبت وضع اليد على الأراضي، في مسعى من الحكومات إلى تأمين إمدادات الغذاء من الخارج. ويدافع الإجماع النيوليبرالي - الذي غالباً مايُشار إليه بـ«إجماع واشنطن» (وهو عبارة عن ايديولوجيا طوّرتها الدول الرأسمالية المتقدمة ولاسيما الولايات المتحدة، يروّج لمفاهيم «السوق الحرة» و«التجارة الحرة»( عن فكرة أن إزالة القيود عن الأسواق يمكن لها وستتكفّل بإنجاز كل ما كانت تقوم به حكومات العالم الثالث يوماً لدعم الزراعة واستهلاك الغذاء من قِبَلْ الفقراء؛ لذلك، وبحسب أنصار الإجماع، يمكن تقليص إنفاق الحكومات على هذه البرامج. وهذا في الواقع ماكان له آثار مدمّرة على الزراعة وعلى إمدادات الغذاء الأساسية للفقراء، وترك البلدان الفقيرة في وضع هش حين ارتفعت أسعار السلع الغذائية الرئيسة في السوق العالمية. فقد أخطأت حكومات دول الجنوب بانصياعها لوصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وقوانين منظمة التجارة العالمية، وبقبولها بالشروط المفروضة عليها من قِبَلْ هذه المؤسسات، التي من ضمنها تقليص التعريفات على استيراد الغذاء وإزالة دعمها للمزارعين.
كيفية الخروج من عنق الزجاجة
لمعالجة الكارثة الإنسانية التي تفرضها أزمة الغذاء الحالية، ثمة حاجة ماسة إلى إنشاء أنظمة غذائية زراعية جديدة، لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان ولتحقيق أمن غذائي للجميع، وإنما من خلال أساليب سليمة بيئياً. فالاعتماد الواسع على أنظمة الإنتاج المُمَكْنَنْ واستخدام كميات كبيرة من الوقود الأحفوري، ليست بأي شكل الحل الأمثل لهذه المشكلة. لذا، يتعلّق السؤال بكيفية الاستفادة بفعالية من سكان المناطق الريفية من أجل الحد من الهجرة إلى المدن. وهنا، يجب وضع تصوّرات تأخذ في الاعتبار مسألة الاعتماد على الموارد المحلية، بدل استيراد التقنيات والآليات التي لاتقوم لها قائمة سوى عبر اللجوء إلى الوقود الأحفوري. فالخبراء والمحللون يجمعون على أن العالم يقف على مشارف حقبة يواجه فيها النظام الغذائي الزراعي - الصناعي مشاكل متزايدة ودعماً متهاوياً. وتشكّل الأزمة الغذائية لعامي 2007 و 2008، تذكيراً بالأنماط القائمة منذ زمن والمرتبطة بعدم المساواة في نظام الغذاء العالمي، وعدم قدرته الاجتماعية والإيكولوجية على الاستمرار. كما أن الاعتماد على السوق كقاعدة لتوزيع الغذاء لا توفّر إجابات ناهيك عن توفير حلول لهذه الأزمة. لذا، يجب إرساء أسس نظام غذائي جديد يقوم على أسس تعتبر أن الغذاء حق إنساني، ليحل محل النظام الغذائي الرأسمالي الحالي الذي لايرى في الغذاء سوى سلعة كغيرها من السلع. وفي وقت يدخل النظام الرأسمالي أزمته الأسوأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتشهد الأزمة البيئية مزيداً من التدهور، وتزداد الاختلالات الاجتماعية للحياة الصناعية المدينية، وتقود العولمة العالم برمّته نحو هاوية كساد عالمي، يقدّم الفلاحون وصغار المزارعين في شكل مطّرد مثالاً عن استقلالية وتنوّع وتعاون، يمكن أن تكون بمثابة مفتاح لإعادة تنظيم اجتماعية واقتصادية ضرورية للغاية.
فرصة للنجاة؟
في سبيل تحقيق فهم أعمق لأزمة الغذاء العالمية في السنوات الأخيرة، والتي هي في الأساس أزمة إنتاج قبل أي شيء آخر، يجب الإطلالة عليها على أنها مفصل حساس للغاية في عملية تتوالى فصولاً منذ قرون عدة. وهي عملية قادت إلى التفرقة بين الفلاحين وبين الأرض، من خلال إعطاء الكلمة الفصل إلى الزراعة الرأسمالية. لكن، على الرغم من فرض هذه الأخيرة لهيمنتها، إلا أنها لم تنجح يوماً في إنجاز مسألة القضاء على «زراعة الفلاحين» وتلك التي تعتمد على العائلات وصغار المزارعين. فهذا النمط تمكّن من البقاء على قيد الحياة حتى الآن، وهو يواصل المساهمة في توفير حصة أساسية من الغذاء للسكان في مختلف البلدان، ولاسيما في دول الجنوب. وفي خاتمة المطاف، يمكن الجزم أن ثمة أعداداً متزايدة من السكان - ليس في الجنوب وحسب بل في الشمال أيضاً - الذين يبحثون عن سبل للخروج من مستنقع الاعتماد على رأس المال. وهم يفعلون ذلك عبر إعادة إنتاج «شروط الفلاحين»، حيث يعمل المرء مع الطبيعة وفيها، ولو من منطلق محدود المصادر، بما من شأنه خلق حالة من الاستقلالية النسبية عن قوى رأس المال والسوق، التي كانت ولا تزال السبب الرئيس الكامن وراء أزمة الغذاء الأخيرة.
|