ليبرمان يعبث بمنابع نهر النيل طباعة ارسال لصديق
العدد 35,36 اب\اغسطس- ايلول\سبتمبر 2009 - العالم
أمين قمورية   

«النسر الأميركي» يواجه «التنين الصيني» في الأدغال الأفريقية

Image
بعد زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لـ«غانا» وإلقائه خطابه «الأفريقي» الشهير هناك، زارت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون سبع دول أفريقية جنوب الصحراء، وتلاها نظيرها الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي زار خمس دول؟ فما سر هذا الاهتمام الأميركي المفاجىء وكذلك الإسرائيلي في القارة السمراء؟ ولماذا هذا الاهتمام الدولي بهذه المنطقة الغنية من العالم واشتعال التنافس عليها مجددا؟


كان من اللافت جداً أن تشهد القارة السمراء خلال أربعة أشهر فقط، زيارة رؤساء ثلاث دول كبرى لعدد من الدول فيها. فقد زار الرئيس الصيني هو جينتاو ثمان دول أفريقية في شباط/فبراير 2009، وهي الكاميرون وليبيريا والسودان وزامبيا وناميبيا وجنوب أفريقيا وموزامبيق وسيشيل، وحض خلال الزيارة على تعزيز العلاقات الثنائية وتعميقها وأعفى بعض الدول من ديونها ووقع اتفاقات اقتصادية مع البعض الآخر.


ثم تبعه الرئيس الروسي اندريه ميدفيديف في حزيران/يونيو من العام نفسه وزار مصر ونيجيريا وناميبيا وأنغولا، حيث توصل إلى اتفاق تعاون استراتيجي مع مصر، وسعى إلى توقيع عقد لبناء أول مفاعل نووي فيها بقيمة 1.8 مليار دولار، ثم انتقل إلى نيجيريا حيث أبرم عقداً لمشروع مشترك في مجال النفط بقيمة 2.5 مليار دولار، بعدها توصل إلى اتفاق تعاون اقتصادي مع أنغولا بعدما قدم لها 300 مليون دولار كقرض.Image
وزار الرئيس الأميركي غانا في تموز/يوليو، وإن كان السبب المعلن للزيارة هو الإشادة بالنموذج الديمقراطي لـ«غانا» في أفريقيا ودعم النهج الإصلاحي والسياسي للدولة والترويج للديمقراطية، إلا أن العديد من المراقبين قدروا أن الهدف الحقيقي هو النفط الغاني المكتشف حديثاً. ونظراً إلى انزعاج بعض الدول من حصر الزيارة إلى «غانا»، جاءت زيارة كلينتون الأخيرة لسبع دول في القارة جنوب الصحراء الكبرى هي: كينيا، جنوب أفريقيا، أنغولا، الكونغو الديمقراطية، نيجيريا، ليبيريا، كاب فيردي.
وفيما أعلنت كلينتون أن جولتها ترمي بالأساس إلى معالجة قضايا عديدة تتراوح بين التنمية الاقتصادية الإقليمية والنهوض بأوضاع السكان، وبين التركيز على التعليم والحكم الديمقراطي والعنف الموجه ضد النساء. فإن الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ستيفين موريسون رأى أن كلينتون تسعى من خلال زيارتها، إلى «التنبيه إلى أن الشأن الأفريقي نضج في التصور الأميركي بما يكفي وبات مدرجاً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة»، مضيفاً أن ذلك يشكل «نقلة نوعية وقد يساهم في معالجة اختلالات الماضي التي أعطت الأولية للانشغالات العسكرية والأمنية على ما سواها».  


تنافس دولي محموم


أيّا يكن الموضوع الذي تحدثت عنه كلينتون وقبلها أوباما، فإن الزيارتين المتلاحقتين لهما دلالات كثيرة أخرى  منها زيادة حدة التنافس الدولي على هذه القارة الغنية بالثروات الطبيعية، خصوصاً أنهما تأتيان بعد مدة قصيرة من زيارة الرئيس الروسي لبعض الدول الأفريقية، وكذلك لمواجهة النفوذ الصيني المتعاظم في عدد كبير من الدول الأفريقية، ولتكرس الجهود الأميركية بالتوجه للقارة السوداء والإفادة من المشاريع التنموية فيها ومساعدتها على النهوض.
وتكتسب القارة الأفريقية أهميتها من كونها تشكل خزان العالم الاستراتيجي من الموارد الطبيعية والمواد الأولية والأحجار النفسية التي يشتدّ الضغط عليها في ظل التنافس الشديد بين كبرى الدول المستهلكة لهذه الموارد إثر ازدياد الطلب العالمي وتقلّص نسبة الاحتياطيات العالمية ومعدّلات الإنتاج في أماكن ومناطق أخرى من العالم، ومن الموارد التي تتمتّع بها: النفط والغاز حيث تضم 10 في المئة من احتياطي النفط العالمي المثبت و8 في المئة من احتياط الغاز العالمي. ومن مميزات النفط والغاز الأفريقيان سهولة استخراجهما نسبياً وسهولة تسويقهما أيضاً بسبب موقع القارة الاستراتيجي بين قارات العالم من جهة وبسبب تركّز كميات كبيرة من النفط على السواحل أو في المياه الإقليمية لدولها. كما تعتبر أفريقيا «منجماً ضخماً» للمعادن والموارد الطبيعية ينتج نحو 80 في المئة من بلاتين العالم، وأكثر من 40 في المئة من ألماس العالم و20 في المئة من ذهبه وكذلك الأمر من الكوبالت. وتشير التقديرات إلى أنّ القارّة تمتلك نحو 4 آلاف كيلومتر مكعب من مصادر المياه العذبة المتجدّدة في السنة، أي ما يوازي نحو 10في المئة من مصادر المياه العذبة المتجددة في العالم، وهي نسبة معتبرة قياساً بالمعاناة التي تعيشها الدول الأخرى في كثير من مناطق العالم.


النهم الصيني والخوف الأميركي


هذا الخزان الاستراتيجي للموارد الطبيعية والاولية جعل الصين تنقض كالتنين على أفريقيا لسد جوعها من هذه المواد وتالياً الحفاظ على النمو الاقتصادي للبلاد والصعود الجيوسياسي على المستوى الإقليمي والدولي. وشكّل وضع الصين المالي والتجاري في العالم رافعة للعلاقة الثنائية بينها وبين دول القارة، إذ وجدت الصين ضمن هذه المعطيات انّه من الممكن للقارة الأفريقية أن تحتل موقع الشريك الاستراتيجي في ظل إمكان التكامل العالية لدى الطرفين، فتعمل دول القارة على إشباع نهم الصين من المواد الأولية والطبيعية، في حين تدعم الصين دول القارة بالمساعدات المالية السخية وغير المشروطة، إضافة إلى تأمين العقود التجارية والاقتصادية المجزية للطرفين وتوفير الخبرات او المساعدات اللازمة لهذه الدول في تهيئة بنيتها التحتية والانطلاق بها نحو تحقيق Imageالاستقرار السياسي والاقتصادي. وكان النجاح الصيني باهراً العام 2006، إذ شهد هذا العام قمّة أفريقية - صينية حضرها رؤساء 43 دولة أفريقية وممثلون عن 5 دول أخرى، الأمر الذي أعطى مؤشراً على مدى أهمية الدور الصيني وثقله في أفريقيا، كما أعطى مؤشراً آخر عن مدى ثقة الدول الأفريقية بهذا الدور المتنامي لبيجينغ خصوصاً أنها لا تسعى إلى هيمنة سياسية ولا تمتلك نزعة استعمارية وهو ما يعني أنها ماضية في اتجاهها الصحيح في القارة الأفريقية وأن دورها سيتعاظم مستقبلا.


التسابق بين النسر والتنين


وفيما لم تثر محاولة موسكو استعادة نفوذها الأفريقي المفقود حساسية واشنطن كون روسيا ركزت على مبيعات السلاح أكثر مما ركزت على الدور السياسي والاقتصادي، فإن النفوذ الهائل للتنين الصيني في القارة والذي تراكم خلال السنوات الماضية بسرعة قياسية ساهم في إحداث صدمة لدى «النسر» الأميركي، فخرجت النداءات مطالبة بإعادة الاعتبار لموقع الولايات المتّحدة في هذه القارة.
وسعت واشنطن قبل وصول أوباما إلى السلطة إلى استعادة مكانتها في أفريقيا بعدما أصابها التراجع لمصلحة الصينيين، لكنها ركزت في خطتها الأفريقية على البعد الأمني وليس التجاري والاقتصادي. فقد أدخلت واشنطن القارة الأفريقية بقوة في أجندتها الأمنية بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، والحرب على «الإرهاب». وشهد العام 2003، بداية تفعيل الاهتمام الأميركي حيث زار الرئيس السابق جورج بوش خمس دول أفريقية دفعة واحدة، ثم جرى تأطير الاستراتيجية الأمنية الأميركية تجاه القارة بطرح مشروع «أفريكوم» العام 2007، وهو ما قالت عنه واشنطن إنه «مشروع لنشر الاستقرار وزيادة التعاون الأمني والشراكة مع دول القارة الأفريقية، من شأنه أن يعطي أيضاً الولايات المتحدة مزيداً من الفاعلية والمرونة في التعامل مع الأزمات المحتملة في أفريقيا».   


استراتيجية الديمقراطية والحكم الرشيد


هذا المفهوم الأمني انقلب عليه الرئيس أوباما سريعاً، عندما اختار «غانا» كمحطة رئيسية ليوجه رسالة إلى الدول الأفريقية الأخرى، مفادها أن نهج الديمقراطية والحكم الرشيد هو ما تشجعه الولايات المتحدة، حيث امتدح التجربة الغانية في الانتخابات التي جرت العام الماضي، والتي استشهد بمدى تأثيرها الإيجابي على الحياة السياسية والاقتصادية على الشعب الغاني خصوصاً وعلى القارة الأفريقية عموماً، عندما ذكر أن دخل الفرد في كينيا كان أعلى من دخل الفرد في كوريا الجنوبية يوم ولادته، وكيف تغيرت الأحوال في الوقت الحاضر، بسبب غياب الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية، ليسود بدلاً منها الانقلابات والحروب الأهلية التي أعاقت خطط التنمية والتطور في أفريقيا.
لقد بدأت الولايات المتحدة تنظر بأهمية كبيرة للقارة السوداء من ناحية الاستثمار ومواجهة النفوذ الصيني المتجذر والقوي، والروسي العائد بقوة، من خلال تشجيع الحكومات الأفريقية على انتهاج الديمقراطية والشفافية في الحكم وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، لتجنب مسببات الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية، مما يشجع المؤسسات المالية والشركات للاستثمار في القارة التي لم تهتم بها الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، تاركة المجال للدول الأخرى ملء الفراغ في القارة السوداء، علماً بأن الرئيس أوباما زار عدداً من الدول الأفريقية عام 2006، وهي كينيا، أثيوبيا، تشاد، جيبوتي، وجنوب أفريقيا، عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي، مما يعكس اهتمامه الشخصي بهذه القارة، وكذلك يبين مدى فهمه للواقع الأفريقي وأهميته لاستراتيجية الولايات المتحدة المستقبلية. وعندما يقول أوباما للافارقة إن دماءكم في عروقي، ويعلن افتخاره بهذه الجذور، فهو كأنه يقرب بين القارة الأفريقية والولايات المتحدة، آملاً بفتح آفاق جديدة للعلاقات بينهما تقوم على أسس وقواعد ثابتة وقوية، وتساعد الطرفين في بناء الثقة، ووجود رئيس من جذور أفريقية، يمكن أن يساعد في تطوير هذه العلاقات بين الطرفين، والسؤال المطروح الآن هو: هل تساعد هذه الجذور الأفريقية الرئيس أوباما في كسب المصالح الأفريقية للولايات المتحدة؟
إن المتتبع للتنافس الدولي على القارة الأفريقية يلحظ أن هذا التنافس بدأ يصل إلى قمة السلطة في الدول المتنافسة من خلال الزيارات التي يقوم بها رؤساء هذه الدول لأفريقيا، وزيارة أوباما ووزيرة خارجيته ستشعل هذا التنافس وتجعل القارة الأفريقية تستفيد من المنافسة بكسب المزيد من المشاريع والتسهيلات من هذه الدول، لذلك نجد أن أفريقيا هي الحاضر الأكبر في قمة الثماني الصناعية في روما، من خلال دعوة ثلاثة رؤساء من أفريقيا لحضور هذه القمة وهم: الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الأفريقي الجنوبي جاكوب زوما والزعيم الليبي معمر القذافي، بصفته رئيس منظمة الوحدة الأفريقية في هذه الفترة، مما يعزز الاعتقاد بأن أفريقيا ستكون المستفيد الأكبر من المعونة التي خصصتها قمة الثماني الصناعية في روما لدعم الدول الفقيرة ومقدارها 20 بليون دولار.


اسرائيل في منابع النيل


لكن ما تفكر به الدول الكبرى غير ما تفكر به إسرائيل التي ركزت في جولتها الأفريقية على ثلاث دول تعد من أهم بلدان المنابع لنهر النيل وأكثرها رفضاً لاتفاقات المياه المعقودة مع دولتي المصب وهما السودان ومصر.
وليبرمان هو أول مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى يقوم بزيارة لأفريقيا منذ نحو عشرين عاماً، وشملت زيارته التي امتدت لثمانية أيام، دولاً في غرب أفريقيا، حيث اختار نيجيريا أكبر بلد أفريقي من حيث عدد السكان، و«غانا» الواقعة على الساحل الغربي للقارة الأفريقية. وكان الغطاء الدبلوماسي المعلن لهذه الرحلة، كما قالت تل أبيب، هو العمل على إنهاء النفوذ الإيراني أو إضعافه في تلك البلدان. ويتضح ضعف هذه الحجة عندما نذكر أن كل البلدان التي ستشملها الزيارة، ماعدا نيجيريا، هي بلدان يقودها مسيحيون، ومن العسير أن يكون لإيران تأثير عليها. والواقع أن كينيا من دول جولة ليبرمان الأفريقية، هي الوحيدة التي زارها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في شباط/فبراير الماضي. ولهذا فمما لا شك فيه أن لزيارة ليبرمان مقاصد أخرى غير معلنة. لقد اختارت إسرائيل الفترة الحالية بالذات لأنها تأتي بعد أن تطور الخلاف بين دول المنابع ودولتي المصب على قسمة مياه النيل. وكانت آخر محاولات الاتفاق بين هذين الطرفين قد جرت في الإسكندرية في الشهر الماضي، ولم تسفر عن اتفاق، فأُرجأ الاجتماعُ مرة أخرى ليعقد بعد نصف عام. لذلك فالفرصة سانحة لإسرائيل حالياً للعبث في المياه العكرة وتشجيع دول المنبع، أو على الأقل الدول الثلاث المشمولة بالزيارة، على الاستمرار في مواجهة دولتي المصب، وقد اتضح ذلك فعلاً فيما أعلن من أن ليبرمان توصل إلى عقد اتفاق مع حكومة كينيا على مشروعات ذات صلة بإدارة المياه. ومن المؤكد أنه حقق شيئاً من ذلك القبيل مع إثيوبيا التي بدأ بها زيارته، ومثل ذلك متوقع أيضاً من أوغندا. وقد علق أحد المراقبين للعلاقة بين إسرائيل ومصر على مضمون هذه الزيارة، بالقول إن ليبرمان الذي عُرف بأقصى أنواع التطرف، أراد أن يقول لمصر: «أما وقد فشلت في تحقيق رغبتي في أن أدك السد العالي وأسويه بالأرض، فإنني الجأ الآن إلى بلدان المنابع لأجرب أسلوباً آخر في خنق مصر». وطبعاً  فإن ليبرمان سيعمل على تطوير علاقات الكيان الإسرائيلي بهذه البلدان من خلال الشراكة في مشاريع، يتعلق بعضها بالمياه واستغلالها، وبمجالات أخرى اقتصادية وتجارية وعلمية وعسكرية وثقافية. إن حجم الوفد المرافق للوزير الإسرائيلي ونوع أعضاء ذلك الوفد، يؤكدان نشاطه كان شاملاً يغطي أكثر من وجه من وجوه الحياة في تلك البلدان. إن النفوذ الإسرائيلي في القارة الأفريقية بدأ وتنامى بعدما نالت تلك البلدان استقلالها في فترة الستينيات من القرن الماضي. وعلى رغم أن الأفارقة كانوا عموماً يقفون إلى جانب فلسطين في محنتها، إلا أن حماسهم تراجع كثيراً بعد اتفاق كمب ديفيد وتطبيع دول عربية أخرى مع إسرائيل. ومع تناقص ذلك الحماس لفلسطين، ارتفع مؤشر العلاقات مع إسرائيل، وذاك من البديهيات. لقد كانت القاهرة خلال عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تتمتع بنفوذ واسع في البلدان الأفريقية، ولاسيما وقد كانت مصر حاضنة لكثير من حركات التحرر المعادية للاستعمار، وقد ساندتها مادياً ومعنوياً حتى نالت استقلالها. وكان وفاء القادة الأفارقة لمصر واضحاً ومتنامياً، وقد شكل صدى ضد توسع النشاط الإسرائيلي وأضعف انتشاره.
لكن الآن نواطير مصر نامت عن ثعالبها فعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ 

 

                                            

 

 

 
< السابق   التالى >