ما الذي جلب هذا الويل طباعة ارسال لصديق
العدد 37 تشرين الاول- اكتوبر 2009 - مقالات
غسان مطر   

Imageلا نظلم أنفسنا وأمّتنا حين نعترف بأننا، كعرب، لسنا حاضرين بأي شكل من الأشكال، على خارطة القرار العالمي، بل ولسنا حاضرين بأي شكل من الأشكال في القرارات الكيانية الداخلية التي تمسّ مصالح الأفراد والجماعات، باستثناء قرارات قمع الأفراد والجماعات التي يعتبر النظام أنها تشكّل خطراً على استمراره.
فالعالم يتحرّك بسرعة مدهشة، وعلى رأسه القوة الأعظم في التاريخ، الولايات المتحدة، ولا دور لنا سوى الانفعال والتأثر بهذه الحركة، سلباً او ايجاباً، ولا قدرة لنا على التأثير في هذه الحركة، حتى ولو كانت مصالحنا وثرواتنا وثقافتنا وهويتنا هي المستهدفة. 


العالم يتحرك، ونحن على الرصيف، ننتظر الإملاءات لننفّذ من غير اعتراض أو تململ، وكأن ما يقرّره الآخرون هو القضاء والقدر.
والأدهى من هذا الاستسلام العام، هو الاحتراب العربي الداخلي (على ماذا؟) حتى اننا لا نجد كيانين عربيّين، من المحيط إلى الخليج، متوافقين على الحد الأدنى من الهموم العربية الكبيرة أو الصغيرة، فإذا ما التقى ملكان عربيان أو رئيسان، أو ملك ورئيس، قرعنا الأجراس، واعتلينا المنابر، وملأنا الأجواء قصائد مديح، ومضينا في الاجتهاد والتحليل إلى آخر الكلام، وكأننا استعدنا فلسطين من مغتصبيها، ووحدنا العرب جميعاً، وأقمنا الإمبراطورية العربية التي كانت في يوم من الأيام سيدة العالم حضوراً وعلوماً وثقافةً ومهابة.
أوَ ليس هذا ما حصل عند لقاء الملك السعودي والرئيس السوري؟
أوَ لم نعتبر أنّ مشكلات العالم العربي قد تفككت، وأن قطار النهضة العربية قد انطلق، أن الأمطار ستغرق الصحارى بخيرها وتحوّلها الى جنّات أين منها ما وعد به الله المؤمنين؟

 

علام يختلفون!

 


وهنا، ومن دون التقليل من أهمية القمة السعودية - السورية، لماذا لا نسأل عن أسباب الخلاف التي أدت إلى قطيعة استمرت أربع سنوات؟ وهل كان الخلاف حول الرؤية الاستراتيجية لكل من الدولتين حول النهوض العربي واستعادة الحقوق المغتصبة من العدوّ الصهيوني، ووضع الثروات العربية في خدمة مشروع التنمية العربية الشاملة، واستقلال القرار العربي ورفضه لمشاريع الهيمنة الأميركية؟ أم أن الخلاف كان حول تفاصيل لا تقدّم ولا تؤخّر في مستقبل الإنسان العربي؟
فماذا يبدّل في واقع الأمّة المزري إذا اتفق الملك السعودي والرئيس السوري حول حكومة لبنان مثلاً؟ أو حول وحدة العراق طالما الاحتلال جاثم هناك يقطّع ويمزّق حتى لا تقوم للعراق قائمة بعد ألف سنة؟ أو على تخفيف حدّة الصراع بين السعودية وإيران طالما أن من يدير الصراع حوّله من صراع عربي - إسرائيلي إلى صراع سنّي -شيعي. وارتضى العرب بهذا التحوّل؟ أو على ضرورة مصالحة مصر وسوريا طالما غزّة محاصرة بقرار اسرائيلي تنفذه مصر بحذافيره وتفاصيله؟
ماذا يبدّل في واقع الأمّة المزري اذا لم يكن هنالك مشروع عربي موحّد حول مواجهة احتقار اسرائيل لكل جيوشهم وطائراتهم ودباباتهم التي يدفعون أثمانها لأميركا لتموّل حروبها في العالم وحروب إسرائيل علينا؟
ماذا يبدّل في واقع الأمّة المزري إذا اتفق الملوك والرؤساء، والمواطن العربي مقطوع اللسان، مصادرٌ عقله ومسلوبة ارادته وممنوع عليه التعبير عن رأيه ومخاوفه؟


إحياء الذاكرة

 


لقد قدّم العرب مبادرة «للسلام» في قمة بيروت قبل عشر سنوات تقريباً، ورمتها إسرائيل في سلة المهملات، وظلّ العرب متمسّكين بها وإسرائيل تتجاهلهم وتتجاهلها، فماذا كانت المبادرة العربية البديلة سوى المزيد من التنازلات وتطبيع العلاقات مع العدو؟
ويكفي أن ننظر الى المسار الانحداري المهين للمواقف العربية من الصراع مع إسرائيل، من قمة الخرطوم، قمة اللاءات الشهيرة، إلى آخر قمة عربية أعيد فيها التأكد على مبادرة قمة بيروت، يكفي أن ننظر إلى هذا المسار لنتيقّن من واقع الأمة المتهالك المتهاوي المتخاذل العاجز عن التلويح بحجر في وجه الغطرسة الإسرائيلية والأمر الأميركي.
ولإحياء الذاكرة، نعود إلى مواقف الدول العربية «المعتدلة» من الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان في تموز 2006 ، وكيف غسلت هذه الدول أيديها وباركت العدوان وهاجمت المقاومة و«مغامراتها» حتى إذا ما انتهت الحرب بانتصار المقاومة وهزيمة العدوّ، شنّت هذه الدول على المقاومة حرباً سياسية شرسة، لم تنتهِ فصولها بعد في مصر، ولم تبدأ بعد فصولها في الخليج. فإرضاءً لمن هذه الحرب، وتعبيراً عن أيّة مصلحة عربية؟
وإحياءً للذاكرة أيضاً نسأل: من أين انطلقت الطائرات الأميركية لاحتلال العراق؟ وإرضاءً لمن؟ وتعبيراً عن أية مصلحة عربية تمّ غزو العراق ونهب ثرواته وتقطيع أوصاله؟
وأيضاً نسأل: إرضاء لمن وتعبيراً عن أيّة مصلحة عربية يؤجَّج الصراع مع إيران وتصبح هي العدوّ، وتُنسى إسرائيل واغتصابها الأرض وتهجيرها الناس وتقتيلها الأطفال؟


الثالوث المقدّس


القادة العرب يختلفون ويتفقون ثم يختلفون ويتفقون ولا أحد يسأل لماذا اختلفوا وعلى ماذا اتفقوا، هكذا منذ ادعائنا أننا دول مستقلة تنتمي إلى أمة واحدة. ونحن نقول إنهم يختلفون عندما يُراد لهم أن يختلفوا ويتفقون عندما يُراد لهم أن يتفقوا. ونذهب أبعد من ذلك فنقول إن خلافاتهم واتفاقاتهم لا تغير في واقع الانقياد حرفاً واحداً طالما أن الاسباب في الخلاف والوفاق ليست استراتيجية التحرير والتنمية والوحدة.
هذا الثالوث وحده هو المشروع العربي الذي يستحق أن يختلف القادة والناس حوله وأن يتفقوا، وما عدا ذلك إلهاء للناس وتفاصيل فيها الكثير من الشخصي وإن أُلبست لبوس المصلحة العربية العليا.
واستراتيجية التحرير والتنمية والوحدة تتطلب أول ما تتطلب خروجاً من عباءة الغرب وأميركا إلى العباءة العربية المنسوجة من خيطان القرار الحر والإرادة الحرة.
بهذه العباءة العربية الحرة الكريمة نُقنع شعوبنا بأننا من صناع التاريخ لا من مستهلكي فضلات الدول الكواسر.
وبهذه العباءة العربية الحرة الكريمة نُقنع العالم بأننا من قادته لا من عبيده.


السؤال الكبير


فعندما تصنف أميركا دولة عربية ممانعة في «محور الشر» ولا تنتفض الدول العربية كلها دعماً وتاييداً لهذه الدولة. تكون هذه الدول شريكاً في التصنيف والعدوان.
وعندما تصنف أميركا أية قوة شعبية عربية تقاوم إسرائيل على أنها إرهاب، ولا تهب الدول العربية رافضة هذا التصنيف وداعمة ومؤيدة لنضال المقاومة، تكون هذه الدول شريكاً لأميركا ضد العرب وكرامتهم.
وإلى أن نصل إلى مثل هذا الموقف العربي الموحد الكبير الرافض إملاءات الخارج ومشاريعه، ستظل خلافات القادة ومصالحاتهم أمراً عادياً يشغل الإعلام إلى حين، ولكنه لا يشغل البال.
نحن نحلم بالقادة يختلفون إو يتفقون حول مشروع عربي بمستوى طموحات الأمة في الحرية والتنمية والوحدة، لا حول تشكيل الحكومة اللبنانية وتأمين ظروف نجاح سعد الحريري في رئاسة الحكومة، فمثل هذا الأمر لا يساوي في نظرنا صرخة طفل جائع في غزة يحاصر الأمن المصري الممر الوحيد لزجاجة الحليب إليه.
نحن نحلم بالقادة، يضعون أمامهم تاريخ أمتهم في تنوير العالم، ويقارنون بين هذا التاريخ والحاضر الذليل، ثم يطرحون السؤال: ما الذي جلب على أمتي هذا الويل؟
عند ذاك يكون للخلاف معنى وللوفاق معنى، وما دون ذلك أحداث عابرة لا تستحق مكانا لها في كتاب الذاكرة.

 

 

 
التالى >

الغلاف

Image