|
اليمن: لا إنقاذ اقتصادي، يعني لا دولة موحدة يكمن مستقبل اليمن عند تقاطع ثلاثة تحديات رئيسية مترابطة: الاقتصادية والديموغرافية والأمن الداخلي. ذلك أن استنفاد الموارد الطبيعية الحيوية، والآثار المترتبة على التباطؤ الاقتصادي العالمي والفساد والبطالة والتضخم، تشكل أهم خطر اقتصادي على البلاد على المدى الطويل. فاليمن هو أفقر بلد في العالم العربي، وهو يزداد فقراً، بسبب السياسات الحكومية التي يزيدها تعقيداً ارتفاع الأسعار وعدم القدرة على استيعاب عدد متزايد من السكان في سوق العمل المحلية.
تعتبر صادرات النفط، التي تؤمن أكثر من 75 في المئة من العائدات الحكومية، بالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد اليمني. وتعتمد الحكومة على العملة الصعبة التي توفرها مبيعات النفط لتمويل نفقات الدولة. والأهم من ذلك، أنه في ظل غياب مؤسسات الحكم الناضجة والمستقرة، فإن عائدات النفط تساعد على الحفاظ على شبكات رعاية واسعة توازن المصالح المتنافسة بين مختلف القبائل وأصحاب المصلحة الآخرين.
إن التناقص السريع لاحتياطي النفط، إضافة إلى الانخفاض الهائل في أسعار النفط العالمية كان لهما تأثير شديد على الاقتصاد اليمني. فالإنتاج ينخفض في كلتا المنطقتين اللتين تتركز فيهما احتياطيات النفط اليمني، حوض مأرب في وسط البلاد وحوض مسيلة في الشرق، حيث تقترب الحقول من نهاية دوراتها المفيدة. وتنقسم احتياطيات النفط في اليمن إلى 97 منصة تنقيب وإنتاج برية وبحرية، منها اثنتا عشرة منصة منتجة فقط. أهم هذه المنصات مأرب (منصة 18)، ومسيلة (منصة 14)، وشرق شبوة (منصة 10)، وجنة (منصة 5)، وغرب إياد (منصة 4). وقدرت شركة «بريتش بتروليوم» أن احتياطيات اليمن المؤكدة من النفط تبلغ 2.8 مليار برميل (تقول الحكومة اليمنية إن هذا الرقم يقلل بشكل كبير من الاحتياطيات، ولكن تبقى ادعاءات صنعاء بلا دليل).
 الرئيس علي عبدالله صالح: تقصير في تقديم الخدمات الاجتماعية انخفضت صادرات النفط في اليمن بشكل حاد في السنوات الأخيرة، من أكثر من 450 ألف برميل يومياً وقت الذروة في العام 2003، إلى حوالي 280 ألف برميل يومياً في كانون الثاني/يناير 2009، وفقاً لما يقوله أمير سالم العيدروس، وزير النفط والمعادن. وما لم يتم العثور على أية اكتشافات جديدة، فإن خبراء الطاقة يقدرون أن تتوقف صادرات اليمن من النفط في غضون عشر سنوات. ويؤكد البنك الدولي أنه بحلول العام 2017 لن تكسب حكومة اليمن أي دخل من النفط. وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أن الاحتياطيات النفطية المؤكدة ستستنفد في غضون خمس سنوات فقط. وقد أخفى الارتفاع الأخير في الأسعار، المدى الحقيقي لانخفاض إنتاج النفط، ما أتاح لليمن جني المزيد من المال على الرغم من بيع كميات أقل من النفط الخام. وبما أن الأسعار العالمية قد انخفضت من الرقم القياسي الذي سجلته في صيف العام 2008، فقد تعرضت البلاد لضربة مضاعفة، لجهة إيرادات الوحدة وإجمالي الوحدات المبيعة. وبينما يعتبر انخفاض الاحتياطيات مسؤولاً عن هبوط الإنتاج، فقد أدى ضعف الصيانة والقدرة المحدودة لقطاع النفط في اليمن إلى تفاقم المشكلة. حددت وزارة النفط والمعادن العديد من العوائق التي تحول دون زيادة الإنتاج، بما في ذلك عدم وجود خطة إستراتيجية طويلة الأجل لقطاع الطاقة، وعدم ترشيد اتفاقيات اقتسام الإنتاج. وتوجد حالياً ثلاث اتفاقيات منفصلة: واحدة للنفط وواحدة للغاز وأخرى للاثنين معاً. ونتيجة لذلك، لا يوجد حافز لشركات النفط العالمية لتطوير الموارد غير المشمولة في إطار اتفاقية لتقاسم الإنتاج. فأي غاز يتم العثور عليه خلال عمليات التنقيب عن النفط، على سبيل المثال، لا يتم تطويره لأنه لم يكن ضمن ما تم الترخيص للشركة العاملة لاستخراجه. وعلاوة على ذلك، يتعين عرض كل اتفاقية لتقاسم الإنتاج على البرلمان للموافقة عليها قبل بدء الإنتاج، وهو ما يؤدي إلى شهور طويلة من التأخير في بعض الحالات. ولمعالجة هذا الأمر، فإن الوزارة تسعى لأن تكون لها سلطة إصدار الاتفاقيات المقبلة والموافقة عليها. وعلى نحو منفصل، تريد الوزارة إجراء المزيد من الدراسات الجيولوجية، من خلال استخدام تقنيات التصوير الاهتزازي المتطورة والمكلفة، للكشف عن مخزونات النفط والغاز. ومع ذلك فليس من الواضح أن من شأن أكثر التحاليل تعقيدا اكتشاف مزيد من النفط، وفي كل الأحوال، فإن صعوبة الظروف المادية والأمنية من شأنها أن تعقد المزيد من عمليات الاستخراج. نتيجة لانخفاض عائدات الصادرات النفطية، قلصت الحكومة اليمنية بدرجة كبيرة من توقعات الدخل. خلال شهر تموز/يوليو 2008، سجل النفط الخام سعراً قياسياً وصل إلى 147 دولاراً للبرميل الواحد؛ وخلال الربع الأول من العام 2009، وفقاً للبنك المركزي اليمني، بلغ متوسط سعر البرميل الواحد 43 دولاراً، وأشارت تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن متوسط سعر برميل النفط سيصل إلى 55 دولاراً في النصف الثاني من العام. ما يزيد من تعقيد الميزانية الوطنية، والتي تعتمد على عائدات النفط، هو أن العادة قد جرت بشكل تقليدي على اعتبار الجزء الأكبر من الميزانية (بما في ذلك الإعانات الحكومية والمرتبات والمعاشات التقاعدية)، محظوراً سياسياً. واعترافاً منها بالنقص الشديد في الميزانية، قيل إن وزارة المالية أمرت في بداية العام 2009 بتخفيضات في الميزانية بنسبة 50 في المئة في كل جهاز الحكومة؛ وفقاً لوحدة الاستخبارات الاقتصادية، ومع ذلك، تم تنفيذ خفض بواقع 4 في المئة فقط. علاوة على ذلك، فإن هذه التخفيضات لم تطبق على نحو شامل في كل الحكومة؛ حيث لم تتأثر وزارتا الدفاع والداخلية، من بين وزارات أخرى. وبالفعل فإن الضائقة المالية شديدة أكثر مما كان متوقعا. فالبيانات الصادرة عن البنك المركزي اليمني تشير إلى أن العائدات من صادرات النفط بلغت مستوى قياسياً منخفضاً في الربع الأول من العام 2009، بانخفاض نسبته 75 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2008. من الواضح أن الموارد النفطية في اليمن تنفد، كما أن إيجاد مصادر جديدة للاحتياطيات النفطية ليس حلاً ممكناً. وفي غضون ذلك، لم تنجح محاولات خفض الميزانية. ومن المحتم أن البلد يستعد لمرحلة اقتصاد ما بعد النفط.  نضوب الموارد: المياه
بينما يعتبر تضاؤل احتياطيات النفط في اليمن مصدر قلق رئيسياً، فإن النضوب السريع لإمدادات المياه في نهاية المطاف أكثر مدعاة للقلق. فالنقص في إمدادات المياه حاد في جميع أنحاء البلاد، وقد تصبح صنعاء، التي ينمو سكانها بمعدل 7 في المئة سنوياً نتيجة لزيادة التحضر، أول عاصمة في العالم تنفد فيها المياه. هذه الأزمة ناجمة عن عدة عوامل، منها: ارتفاع الاستهلاك المحلي، وسوء إدارة المياه، والفساد وعدم وجود سيطرة على الموارد، والإسراف في تقنيات الري. فحتى قبل خمس سنوات خلت، لم يكن هناك وزارة للمياه والبيئة، واليوم لا تزال الرقابة القانونية محدودة. ووفقاً لتقرير صدر العام 2009 عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يعتبر اليمن من بين أكثر دول العالم التي تعاني من ندرة المياه، ولديه واحد من أدنى معدلات نصيب الفرد من توافر المياه العذبة. وبسبب عدم وجود أية رقابة قانونية جدية قابلة للتنفيذ، يتم استخراج المياه من طبقات المياه الجوفية بأسرع مما يجري تجديدها. ففي العام 1998، أنهار حوض المياه في تعز، وهي من أكبر المدن. وتقدر معدلات استخراج المياه في صنعاء حالياً بنحو أربعة أضعاف معدلات تجديدها، والحوض هناك وفي عمران على وشك الانهيار، ويقدر أن ينهار حوض صعدة بعد ذلك بفترة وجيزة. ووفقاً لأحد التحليلات الحديث، فإن تسعة عشر من طبقات المياه الجوفية الإحدى والعشرين في البلاد لا يتم تجديدها. وفي بعض الحالات، يجري استخراج المياه الأحفورية غير المتجددة. في السنوات القليلة الماضية، انخفض منسوب المياه الجوفية في اليمن حوالي 2 متر، أو 6.6 قدم، في السنة، ما أرغم على حفر الآبار بشكل أعمق. وهذا يؤثر على جودة المياه، حيث لاحظت مؤسسة الأبحاث البريطانية «تشاتام هاوس» في تحليل واقعي أن جودتها تتدهور بسبب زيادة تركيز المعادن. وغالباً ما يتطلب انخفاض منسوب المياه الجوفية استخدام آلات الحفر الخاصة بالنفط. في حين أن هناك الآن نظاماً قانونياً قائماً لضمان الاستخدام العادل والمنصف للمياه السطحية، فإنه لا يوجد مثل هذا النظام القانوني للمياه الجوفية. ونتيجة لذلك، فإن أي شخص يريد الحصول على المياه (ويستطيع تحمل كلفة ذلك) يحفر بئراً ويستخرج ما أمكنه من المياه. وقد قدر عبد الرحمن الإرياني وزير المياه والبيئة، أن نسبة 99 في المئة من عمليات استخراج المياه غير مرخصة. لا يخضع استيراد منصات الحفر لأية رسوم جمركية أو ترخيص أو ضرائب. ويقدر المسؤولون في وزارة المياه والبيئة أنه اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2009، هناك أكثر من 800 منصة حفر خاصة تعمل في البلاد. في المقابل، لا يوجد سوى ثلاث منصات في الأردن، ولا يزيد عددها في الهند، التي يزيد عدد سكانها بأكثر من 50 ضعفاً عن سكان اليمن عن 100 منصة. في محاولة لمعالجة أزمة المياه في البلاد، سعت الحكومة المركزية إلى جعل خدمات المياه والصرف الصحي لامركزية، بحيث جعلت المحافظات مسؤولة عن نفسها، بشكل أساسي. هذا الجهد مناسب في إطار إستراتيجية حكومية أكبر لنقل السيطرة إلى المحافظات المحلية، للالتفاف على حقيقة أن الكثير من أراضي اليمن تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية. ووفقاً للإرياني، وزير المياه والبيئة، فقد تم إنشاء خمس عشرة شركة مياه محلية لإدارة الموارد المحلية. وقد غطى هذا المشروع معظم المدن الرئيسية في البلاد، بما فيها «إب وتعز والحديدة وعدن والمكلا وعمران وذمار ومدينة صنعاء» (إدارياً العاصمة متباينة عن المحافظة المحيطة بها والمعروفة أيضا باسم صنعاء). وهذا أمر مهم لأن معظم دعم الحكومة المركزية يأتي من هذه المناطق الحضرية. وبحسب كثير من المراقبين، فإن نظاماً صالحاً يجب أن يعطي أولوية لتقديم الخدمات إلى المناطق الحضرية على حساب المناطق الريفية والمحافظات. وقد أثار الفشل في إنشاء شركات المياه المحلية في عدة محافظات، لم تحظ تاريخياً بدعم كبير على صعيد الخدمات الاجتماعية، وحيث تمارس السيطرة إلى حد كبير من قبل السلطات القبلية، أثار الخوف من أن تنظيم القاعدة، الذي عاد إلى الظهور، قد يطلب ملاذاً فيها. لم يتم إلى الآن إنشاء شركات مياه محلية في محافظات مأرب والجوف وشبوة وصنعاء ومهره ومحويت. وقد قالت وزارة المياه والبيئة أيضا إنها في طور تأسيس شركة مياه محلية في شمال محافظة صعدة، في الظاهر، كوسيلة لتعزيز الأمن والاستقرار وسط صراع أهلي مستمر. ومع ذلك لم تفعل الحكومة المركزية شيئا يذكر على صعيد أعمال إعادة الإعمار وتقديم الخدمات الاجتماعية هناك، وليس واضحا كيف يمكن لشركة محلية للمياه أن تنشأ فيما يشن الجيش حملة عسكرية ضارية ضد حركة تمرد تزداد قوة. في نقطة مضيئة على جبهة الماء، تم اكتشاف حوض للمياه الجوفية بالقرب من المكلا في منتصف العام 2009، وتشير التقديرات إلى أنه يمكن أن يمد المنطقة بالمياه لسنوات عديدة. ويشير المسؤولون اليمنيون إلى أنه تم العثور على المياه على أعماق تزيد عن 200 متر أو 656 قدم، ما يدل على تزايد صعوبة مهمة العثور على المياه العذبة. ومن المرجح أن تذهب الكثير من المياه إلى القطاع الزراعي، الذي يعد أكبر مستهلك في البلاد. كما ينصح المسؤولون بوجوب حماية الاكتشافات المائية الجديدة من التلوث من المياه المالحة ومياه الصرف الصحي والإفراط في استخدام الأسمدة والمبيدات.
الصعوبات الاقتصادية الأوسع يعاني اليمن من آثار التباطؤ الاقتصادي العالمي، والفساد المستشري والتضخم. بصورة فردية، ويشكل كل واحد من تلك الأمور صعوبات؛ لكنها تعطي معاً لمحة عن اقتصاد يعاني من أزمة. كان للانكماش في الاقتصاد العالمي تأثير خطير على اليمن. فقد تضرر بشدة بسبب الانخفاض في الإيرادات، والهبوط المريع في أسعار النفط الخام العالمية. وأدى الركود العالمي وتباطؤ الاقتصاد في منطقة الخليج إلى انخفاض التحويلات من اليمنيين العاملين في الخارج بصورة خطيرة. كما انخفض الاستثمار الأجنبي، وخاصة من دول الخليج.
 أزمة المياه أخطر من أزمة النقط كان للفساد تأثيره هو الآخر. ففي السنوات القليلة الماضية، اتخذ اليمن خطوات للحد من الفساد، وسن قوانين خاصة بعمليات غسيل الأموال والشفافية المالية ومكافحة الفساد. ويحظى الجهاز المركزي للرقابة والتدقيق في اليمن بالاعتراف بوصفه هيئة تزداد كفاءة، كما أن إنشاء الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد يمثل خطوة إيجابية، على الرغم من أن تأثير الهيئة سيكون محدوداً إلى أن يتم منحها قدرات تنفيذية. ولكن على الرغم من هذه الجهود، لا يزال الفساد يمثل مشكلة خطيرة ومستمرة، وهناك حاجة لإجراء محاكمات عادلة وشفافة. وقد زعم ديوان المحاسبة أن ما يقرب من 30 في المئة من عائدات الحكومة لا يتم إيداعها أبدا في حسابات الحكومة. وقد أشارت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، في تقريرها للعام 2006، «تقييم الفساد في اليمن»، إلى أن الفساد في اليمن هو نتيجة لضعف المؤسسات الحكومية. وحددت الوكالة أربعة مصادر رئيسية للفساد مثل عملية وضع الميزانية الوطنية، ونظام المشتريات، والنظام العسكري - التجاري وحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، أو جهاز الحزب. ولا تزال المزاعم عن وجود تجارة نشطة بالمنتجات النفطية المكررة في السوق السوداء، وكذلك عمليات التهريب المؤيدة رسمياً أو يتم التساهل بشأنها، قائمة. عانى الاقتصاد اليمني من تضخم كبير طيلة السنوات العديدة الماضية. وأسهم الانخفاض الدوري، والذي كان مؤقتاً في الغالب، في الإعانات الحكومية في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية. وقد بلغ معدل التضخم 20 في المئة العام الماضي. وتم خفضه أخيراً إلى نحو 12 في المئة، لكن من المتوقع أن يرتفع مرة أخرى بسبب وجود ارتفاع دوري في أسعار الواردات في السنوات الثلاث المقبلة. التحديات الديموغرافية ستكون ثاني أهم مجموعة من التحديات التي تواجه اليمن ديموغرافية. وعلى الرغم من أن معدل النمو السكاني انخفض قليلا في السنوات الأخيرة، فإنه من بين أعلى المعدلات في العالم عند ما يزيد قليلاً عن 3.4 في المئة سنوياً. ونتيجة لذلك فإن أكثر من ثلثي السكان دون سن الـ 24 عاماً. ويتوقع محللون غربيون ويمنيون على حد سواء، أن يتضاعف عدد السكان في اليمن، في العقدين المقبلين، إلى أكثر من 40 مليون نسمة. الفقر في اليمن شديد، حيث يبلغ نصيب الفرد من الدخل السنوي أقل من 900 دولار، وحوالي نصف عدد السكان يكسبون أقل من دولارين يومياً. ويشكل معدل وفيات الرضع مصدر قلق كبير، وذلك ناجم جزئيا عن الرعاية المحدودة للغاية قبل الولادة وبعدها. وحققت البرامج الصغيرة التي وضعتها الجهات الأوروبية المانحة بعض النجاح في مكافحة هذه المشكلة، ولكن الأطفال اليمنيين مستمرون في الموت بسبب أمراض الطفولة التي يمكن الوقاية منها. وتزيد وعورة التضاريس والتشتت الجغرافي للسكان، من تفاقم التحديات الديموغرافية. وينتشر سكان اليمن البالغ عددهم 23 مليون نسمة في حوالي 135 ألفاً من القرى والمستوطنات. الكثير من القرى اليمنية نائية، وتنتشر عبر المنحدرات الجبلية والأودية الصحراوية، حيث يعيش أقل من ثلث السكان في المناطق الحضرية. ولم تتمكن الحكومة المركزية من بسط وجود حكومي في تلك المناطق أو تقديم خدمات اجتماعية أساسية أكثر لمثل هؤلاء السكان الذين ينتشرون على نطاق واسع. ونتيجة لذلك، تضطر العديد من المستوطنات لأن تكتفي ذاتياً إلى حد كبير، وتوفر مراكز الرعاية الصحية والمدارس والخدمات الاجتماعية الأخرى الخاصة بها. وفي المستقبل، فإن قدرة الحكومة المركزية على ممارسة سيطرتها بصورة فعالة في جميع أنحاء البلاد، وتوفير الخدمات الأساسية، موضع شك خطير، وهي تكافح من أجل القيام بذلك الآن. مع تضاعف عدد سكان اليمن بحلول العام 2030، فإنه لا يمكن استيعاب الزيادة إلا في سوق العمل المحلية. وسيحتاج اليمن إلى تصدير العمالة إلى دول الخليج الغنية. إذ تسهم تحويلات العمالة بالفعل بما يقرب من بليون دولار في الاقتصاد في كل عام. ويقدم العامل اليمني المغترب ما يوازي سبعة أشخاص في الوطن. ومع ذلك، فإن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى لم تعد مهتمة كثيراً باستيراد العمال اليمنيين غير المهرة، وليس من المرجح أن يحل العمال اليمنيون محل عمال الدول الثالثة الأخرى العاملين في الخليج. ولكي يكون قادراً على المنافسة، يحتاج اليمن لتصدير عمال شبه مهرة مدربين ومعتمدين في مجالات متخصصة. لقد اعترف كبار المسؤولين اليمنيين بأن التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد تُعقّد وتفاقم المخاوف الأمنية. فقد تأثّرت سلباً كل خطط التنمية، وجهود الحد من الفقر، وخطط التوظيف وتوفير الخدمات العامة، بسبب الروابط بين الاقتصاد والأمن. وعلاوة على ذلك، فإن الاضطرابات الداخلية والإرهاب الإسلامي أضرت كثيراً بسمعة اليمن باعتباره هدفاً للاستثمار الأجنبي. والحصيلة؟ إنها واضحة: ما لم يتم انقاذ اقتصاد اليمن، لن تبقى الدولة المركزية (ومعها اليمن الموحّد) قادران على الصمود أو حتى البقاء.
|