|
عام 2006 نشر الاستاذ مصطفى يحفوفي في مجلة «رسالة النجف» التي يرأس تحريرها بحثاً بعنوان «الله يتجلى في الجمال» لاقى الكثير من ردود الفعل الايجابية من القراء والمهتمين. وتتالت الرسائل وتتابعت الاتصالات التي تحفز البحاثة مصطفى على توسيعه ونشره مستقلاً في كتاب. فكان أن اعاد قراءته، وتوسع في بعض فقراته، وأضاف إليه ملحقات تضمنت خطبة الإمام علي في وصف الطاووس، وفهرس موضوعي للآيات القرآنية التي تتحدث عن الجمال. ويؤكد المؤلف أن غنى الكون بالجمال وانشداد الإنسان إليه من جهة، وعناية القرآن البالغة من جهة ثانية، كانا الداعيين لكتابة هذا البحث، الذي يهتم بدراسة الجمال بما هو آية من آيات الله في الكون تدل عليه سبحانه، وتشير إلى غنى صفاته. فليس المقصود بالبحث إذاً دراسة الجمال على إطلاقه، ولا معالجة جملة من حيثياته المختلفة. وإنما المقصود هو التعرض لبعض جوانبه مما له دخالة في تشكيل الدليل على وجود الله سبحانه.  سعادة السفير الدكتور علي عجمي
 وقد قسم المؤلف البحث إلى ثلاثة أقسام رئيسية يتناول الأول فيها الحضور الواسع للجمال في الكون ويبين عمق صلة الإنسان به، ليتضح بذلك ما للجمال من اهمية تؤهله لاحتلال موقعه الذي يستحقه كدليل بين الأدلة المعتبرة على وجود الصانع الحكيم. ويتناول القسم الثاني مدى عناية القرآن الكريم بالجمال. ويبين كيف أن القرآن قد نص صريحاً على الجمال بما هو آية من الآيات الإلهية البينة، وإن اغفلته الدراسات العقائدية أو قل اهتمامها به. وأما القسم الثالث فيحاول دراسة عناصر هذا الدليل. وتبيان الأسس والمقدمات التي يبتنى عليها، وكيفية تأديتها إلى النتائج المطلوبة، ليستوفي بذلك الشروط المرعية في ما يماثله من أدلة.
 وبعد اكتمال المادة، كلف المؤلف زميلنا طلال يحفوفي المشرف الفني على المجلة بتصميم الكتاب، فاختار له قياساً مميزاً، وجعل صفحاته الداخلية بين اللونين والخمسة، وأبدع في تنسيق النص والهوامش والصور الساحرة التي تسبّح بآيات الله. وعند انجاز التصميم تلقفته دار الأمير للثقافة والعلوم في لبنان فانتجته على أحسن مستوى بغلاف مجلد مطبوع، وورق فاخر، فكان تحفة على مستوى المضمون والشكل والنوعية على مدى 110 صفحات هي حجم الكتاب المربع الشكل.
 وقد أقيم مؤخراً حفل توقيع أول للكتاب في المنتدى الثقافي في قرية العباسية قضاء صور برعاية الدكتور علي عجمي سفير لبنان في شاطئ العاج، حيث تقاطرت الوجوه الثقافية، الاجتماعية، السياسية، والدينية من رجال ونساء للإحتفاء بالمؤلف والحصول على نسخ موقعه من الكتاب. وقد قدم الحفل الاستاذ محمد حمود، وبعد آي من الذكر الحكيم اعتلى المنصة راعي الاحتفال الدكتور علي عجمي حيث ألقى كلمة وجدانية أفاضت في حب وتقدير «الصديق المؤلف» وأشادت بالكتاب وكاتبه ناشطاً وبحاثة في كل هموم الوطن والأمة ثقافياً واجتماعياً. بعده ألقى الشاعر علي وهبة دهيني قصيدة من وحي المناسبة ثم تلاه مصمم الكتاب زميلنا الأستاذ طلال يحفوفي الذي تحدث عن التجربة المميزة في صناعة هذا الكتاب تحديداً، وكيف حاول أن يكون الشكل امتداداً للمضمون. وختم المؤلف متحدثاً عن بعض مضامين الكتاب التي سبق وأشرنا إليها اعلاه. قبل أن يتوجه إلى حفل الاستقبال الذي يتضمن توقيع الكتاب وتوزيعه. وكان ملفتاً ذلك الطابور الذي احتشد فيه المعجبون رجالاً ونساءً امام طاولة المؤلف لاصطياد النسخ موقعة ومهداة. ولأن العرف أن يتحدث المؤلفون والنقاد في هكذا احتفالات ويغيب عنها المصممون. كانت كلمة زميلنا طلال في الحفل مميزة تحكي تجربة مميزة في كتاب تكامل شكله مع مضمونه. ولاقت مزيداً من الاستحسان جعلنا ننشرها كتغطية اعلامية لا لشكل الكتاب فقط.. بل لفرادة مضمونه في سياق علم الجمال الموضوعي من جهة، وكتب الفنون الاسلامية من جهة أخرى.
في ما يلي نص كلمة الزميل طلال:  ما جئت لأتحدث عن الكتابة. فلها اربابها، وإنما جئت لاتحدث عن الكتاب. ولولا جينات زرعها الله في ادمغتنا تتوق إلى معايشة الجمال لبقيت الكتابة كتابة.. ولما صارت خطاً. ولبقي النثر نثراً.. ولم يتحول إلى شعر غنّاء وراقص. ولتعرف نعمة الله عليك.. أغمض عينيك لعل العيون هي أكبر مصدر لإقتناص المعرفة، قراءة، حركة ، أشكالاً وألواناً. أي كل عناصر الجمال اصطلاحاً. خلق الله على أحسن تصميم.. وكوّن الله احسن التكوين.. فماذا باستطاعة الإنسان أن يضيف صور الله الكون على أحسن تصوير ونظمّه أحسن التنظيم فماذا باستطاعة الإنسان أن يُعدّل. يقول بول فاليري خلق الله المرأة والسمكة. وأبدع الفنان حورية البحر، أي إنه أعاد تركيب نصفين موجودين سبق أن خلقهما الله. ولم ياتِ بشيء من العدم. خلق الله كل شيء ليعمل في خدمة نظام الكون. فالمطر إبن البحر والنهر حفيده. الشجر لتنظيف الهواء، ونتاجه غذاء. الحيوان لحم، طاقة، وتوازن بيئي. الجبال أوتاد لئلا تميد الأرض. الليل والنهار مواقيت، ومدارات الكواكب زمان. والإنسان اعجز من أن يخترع .. بل خلق ليكتشف. في الإنس عالِم يكتشف أشياء موجودة، ويعيد تنظيم علاقات موجودة. وفنان يشحذ خياله ليعيد تركيب العالم أشكالاً وألواناً، أصواتاً وإيقاعاً.. صوراً بالقلم أو بفرشاة.. وليس انتهاء بآلة التصوير والحاسوب. * * * في بداية الثمانينات شرفني العلامة المغفور له الشيخ سليمان يحفوفي قدّس سره بتصميم غلاف لواحد من كتبه «ضمان الجنس في الإسلام». كان كتاباً فريداً يومها، كسر المحظور الاجتماعي الإصطناعي من تحريم الكلام العلني عن الجنس مذكراً بالقرآن والسنة وأحاديث الصحابة التي كانت تسمّي الأشياء بأسمائها دون وجل ولا خجل. ملقياً الضوء على تراث غني من الثقافة الجنسية العلمية والاختبارية تصدى لتدوينها كبار الفقهاء و الأئمة والعلماء. كان كتاباً فريداً من نوعه يومها. تتالت بعده الكتب الحديثة في هذا المجال فتشجعت بعض دور النشر على اعادة طبع المخطوطات التي كانت شبه محظورة في هذا المجال. ولأن هذا الشبل من ذاك الأسد. جاءني الشيخ الإبن مصطفى سليمان يحفوفي ليحدثني عن بحث كتبه في علم الجمال الإسلامي يفكر بتوسيعه ليصبح كتاباً في هذا المجال. لعل أول مرة سمعت فيها عن علم الجمال كانت أيضاً في منتصف السبعينات عندما التحقت بكلية التربية في الجامعة اللبنانية للتخصص في اللغة العربية وآدابها. فكانت مادة جديدة كلياً عليّ وعلى أقراني درّسها لنا المرحوم العميد الدكتور ميشال عاصي من خلال كتابه الذي تصدى فيه لتأريخ وتشريح هذه المادة من التراث اليوناني وصولاً إلى الأوروبي الغربي. وأكد لنا أنه الكتاب الأول باللغة العربية في هذا المجال. وهو كتاب يلقي الضوء على تعريف الجمال، طرق استكشافه، وكيفية التمتع به، ذهنياً، بصرياً، ومادياً. قلت لمصطفى «وهذا كتاب فريد آخر في توقيته.. رحم الله أباك. فامنحني شرف تصميمه، وتكرّم قليلاً بميزانية انتاجه ليصبح الشكل امتداداً لمضمونه المميز. كان باستطاعتنا نشره مقالاً في مجلة، نصاً بالأسود والأبيض. ولكني شئته معبراً عن مضمونه الفريد، قياساً (الصفحات) وتوزيعاً للنص، تنسيقاً للهوامش، تلويناً، صوراً تتحدث عن النص دون تعليق، وغلافاً حالماً ينتمي لما وراء الواقعية. هناك الكثير من الكتب عن الفنون الإسلامية، كالعمارة، والخط، والزخرفة، والتصوير (المنمنمات)، والأدوات (أباريق ،مصابيح..الخ) وكلها جمالات انسانية. ولعله الكتاب الأول في الجمال الرباني، يستفتي القرآن، يستشهد بالسنة، ويستعير الأئمة، ليفتح باباً لرحلة تبدأ.. ولا تنتهي. وهي بحاجة إلى كتب ومجلدات، وحبر بحجم ماء الأرض وأكثر. أردته كتاباً يكمل شكله مضمونه.. فهل بَلَغت؟؟ وها قد بلّغت اللهم فاشهد.
|